التوثيق ليس زخرفة شكلية تُضاف في الأسبوع الأخير قبل التسليم. هو الطريقة التي يعرض بها الباحث صلته بما كُتب قبله: من أين جاءت الفكرة، وأين يستطيع القارئ أن يتحقق منها، وما الذي أضافه الباحث فوقها. ولهذا تنظر لجان المناقشة إلى قائمة المراجع بجدية، فالخلل فيها يُقرأ غالبًا على أنه خلل في التعامل مع المصادر نفسها، لا في التنسيق وحده.
ونظام جمعية علم النفس الأمريكية (APA) من أوسع أنظمة التوثيق انتشارًا في العلوم التربوية والنفسية والإدارية والاجتماعية، وإصداره السابع هو المعتمد اليوم في كثير من الأقسام. يعرض هذا الدليل قواعده الأساسية بلغة مباشرة، مع أمثلة يمكنك القياس عليها في رسالتك.
لماذا يستحق التوثيق هذه العناية؟
للتوثيق ثلاث وظائف تعمل معًا. الأولى أخلاقية: أن يُنسب كل رأي أو نتيجة إلى صاحبها، فلا يُفهم كلام غيرك على أنه كلامك. والثانية علمية: أن يتمكن القارئ من العودة إلى المصدر الأصلي ليتحقق من المعلومة أو يتوسع فيها. والثالثة تتعلق بك أنت، إذ تكشف قائمة المراجع مدى اطلاعك على أدبيات موضوعك وحداثة ما قرأت.
وهناك جانب عملي لا يقل أهمية؛ فبرامج فحص الأصالة مثل Turnitin تُظهر أي تشابه بين نصك ونصوص منشورة، والنص المنقول دون إشارة واضحة قد يبدو اقتباسًا غير أمين حتى لو كانت نيتك سليمة. التوثيق الدقيق هو ما يحوّل هذا التشابه من شبهة إلى استشهاد مشروع.
ركنان متلازمان: الإشارة في المتن وقائمة المراجع
يعتمد APA على صيغة «المؤلف والسنة». كل إشارة داخل النص تقود إلى مدخل واحد في قائمة المراجع، وكل مدخل في القائمة لا بد أن يُستشهد به في المتن مرة واحدة على الأقل. الاستثناء الوحيد الشائع هو الاتصالات الشخصية، كالمقابلة أو المراسلة، إذ تُذكر في المتن فقط لأن القارئ لا يستطيع الرجوع إليها.
الإشارة داخل المتن
للإشارة صورتان. الأولى بين قوسين في نهاية الجملة أو الفكرة، مثل: «… وهو ما يجعل التحليل الموضوعي أداة مرنة في البحوث النوعية (Braun & Clarke, 2006).» والثانية سردية يدخل فيها اسم المؤلف ضمن الجملة وتأتي السنة بعده مباشرة، مثل: «يرى براون وكلارك (2006) أن التحليل الموضوعي…». لاحظ أن الرمز & يُستخدم داخل القوسين فقط، أما في الصيغة السردية فتُكتب «و» بين الاسمين.
قائمة المراجع
تأتي في نهاية البحث تحت عنوان «المراجع» (References)، وتُرتّب أبجديًا بحسب اسم العائلة للمؤلف الأول، بتباعد مزدوج ومسافة معلّقة (hanging indent) مقدارها نصف بوصة، أي نحو 1.27 سم، بحيث يبدأ السطر الأول من الهامش وتُزاح الأسطر التالية إلى الداخل.
قواعد الإشارة بحسب عدد المؤلفين
هذه من أكثر النقاط التي تغيّرت بين الإصدارين السادس والسابع، ويقع فيها كثير من الطلاب:
- مؤلف واحد: (Cronbach, 1951).
- مؤلفان: يُذكر الاسمان في كل مرة: (Fornell & Larcker, 1981).
- ثلاثة مؤلفين فأكثر: يُكتفى باسم المؤلف الأول متبوعًا بـ et al. من أول إشارة: (Author et al., 2020)، وفي المصادر العربية «وآخرون».
- مؤلف مؤسسي: يُكتب الاسم كاملًا في أول إشارة مع اختصاره بين معقوفين، ثم يُستخدم الاختصار بعد ذلك.
- أكثر من مصدر في قوس واحد: تُرتّب أبجديًا ويُفصل بينها بفاصلة منقوطة: (Braun & Clarke, 2006; Cronbach, 1951).
- أعمال للمؤلف نفسه في السنة نفسها: تُميَّز بحروف بعد السنة، مثل 2020a و2020b.
- مصدر بلا تاريخ: تُكتب n.d. مكان السنة، وفي العربية «د.ت».
الاقتباس الحرفي وإعادة الصياغة
الاقتباس الحرفي يحتاج دائمًا إلى رقم الصفحة: (Author, 2020, p. 45)، أو pp. 45–46 إن امتد على صفحتين. فإذا بلغ الاقتباس أربعين كلمة أو أكثر صار اقتباسًا كتليًا: يبدأ في سطر مستقل، ويُزاح بمقدار نصف بوصة، ويُكتب دون علامات تنصيص، وتأتي الإشارة بعد علامة الترقيم الأخيرة.
أما إعادة الصياغة فهي الأصل في الكتابة العلمية الجيدة، ورقم الصفحة فيها غير إلزامي، لكن الدليل يشجع على ذكره حين تلخّص فكرة محددة من عمل طويل. وإعادة الصياغة الحقيقية تعني أن تفهم الفكرة وتكتبها ببنيتك ومفرداتك، لا أن تستبدل كلمات قليلة وتُبقي التركيب كما هو.
وإن اضطررت إلى الاستشهاد بمصدر لم تطلع عليه إلا عبر مصدر آخر، فاكتب في المتن: (Author, 2015, as cited in Author, 2020)، وضع في القائمة المصدر الذي قرأته فعلًا. واجعل ذلك استثناءً، فاللجان تفضّل الرجوع إلى الأصل كلما أمكن.
عناصر المرجع في القائمة
كل مرجع في APA يتكون من أربعة عناصر بالترتيب: المؤلف، ثم التاريخ، ثم العنوان، ثم المصدر. وإذا فهمت هذا المنطق سهل عليك توثيق أي نوع من المصادر حتى لو لم تجد له مثالًا جاهزًا.
مقال في دورية علمية
القالب العام:
Author, A. A., & Author, B. B. (2020). Title of the article. Journal Name, 12(3), 45–67. https://doi.org/xx.xxxx/xxxxx
وهذه ثلاثة أمثلة حقيقية مكتوبة وفق الإصدار السابع:
Braun, V., & Clarke, V. (2006). Using thematic analysis in psychology. Qualitative Research in Psychology, 3(2), 77–101. https://doi.org/10.1191/1478088706qp063oa
Cronbach, L. J. (1951). Coefficient alpha and the internal structure of tests. Psychometrika, 16(3), 297–334. https://doi.org/10.1007/BF02310555
Fornell, C., & Larcker, D. F. (1981). Evaluating structural equation models with unobservable variables and measurement error. Journal of Marketing Research, 18(1), 39–50. https://doi.org/10.1177/002224378101800104
لاحظ التفاصيل الصغيرة: عنوان المقال يُكتب بحرف كبير في أوله فقط وفي أسماء العلم، واسم الدورية يُكتب بأحرف كبيرة في كلماته الرئيسة ويُمال، ورقم المجلد مائل بينما رقم العدد بين قوسين غير مائل. ويُكتب DOI بصيغة رابط كامل، دون عبارة Retrieved from ودون نقطة بعده.
كتاب
Author, A. A. (2019). Title of the book: Subtitle of the book (2nd ed.). Publisher Name.
لم يعد الإصدار السابع يطلب مكان النشر، ويُضاف DOI في آخر المرجع إن وُجد.
فصل في كتاب محرَّر
Author, A. A. (2018). Title of the chapter. In E. E. Editor (Ed.), Title of the book (pp. 25–48). Publisher Name.
رسالة ماجستير أو دكتوراه
Author, A. A. (2021). Title of the thesis [Master's thesis, University Name]. Database Name.
وإن كانت الرسالة غير منشورة في قاعدة بيانات تُكتب [Unpublished master’s thesis] ثم اسم الجامعة المانحة.
صفحة على الإنترنت
Author, A. A. (2022, March 14). Title of the page. Site Name. https://www.example.com/page
ولا يُذكر تاريخ الاسترجاع إلا للمحتوى المصمم ليتغير باستمرار.
المراجع العربية في رسالة تتبع APA
تختلف الجامعات في معالجة المراجع العربية. بعضها يطلب قائمة للمراجع العربية تليها قائمة للأجنبية، وبعضها يطلب قائمة واحدة، وبعضها يطلب ترجمة المراجع العربية أو كتابتها بحروف لاتينية وإلحاقها بالقائمة الإنجليزية. والقاعدة هنا بسيطة: دليل قسمك مقدَّم على القواعد العامة. أما البنية نفسها فتبقى كما هي، على هذا النحو: اسم العائلة، الاسم الأول. (السنة). عنوان الكتاب بخط مائل. دار النشر.
أخطاء تتكرر في المسودات
تتكرر في المسودات التي تصل إلى مرحلة المراجعة أخطاء متشابهة، أبرزها:
- مراجع في المتن لا وجود لها في القائمة، أو العكس، أو اختلاف السنة أو تهجئة الاسم بين الموضعين.
- ترتيب القائمة بحسب ورود المراجع في النص لا أبجديًا.
- إمالة العنصر الخطأ، كإمالة عنوان المقال بدل اسم الدورية.
- بقايا عادات الإصدار السادس: ذكر مدينة الناشر، وعبارة Retrieved from، وتأخير et al. إلى ما بعد عدد معين من المؤلفين.
- كتابة et al. في قائمة المراجع، والصحيح ذكر جميع المؤلفين حتى عشرين مؤلفًا.
- إغفال رقم الصفحة في الاقتباس الحرفي.
- نقل DOI خاطئ أو ناقص من مصدر وسيط دون التحقق منه.
أدوات مفيدة لا تغني عن المراجعة
برامج إدارة المراجع مثل Zotero وMendeley وEndNote توفّر وقتًا كبيرًا؛ فهي تجمع بيانات المصادر وتدرج الإشارات داخل ملف Word وتبني القائمة تلقائيًا، وتسمح بتغيير نظام التوثيق كله عند الحاجة. لكنها تنقل البيانات كما وجدتها، فتظهر أحيانًا عناوين بأحرف كبيرة كاملة، أو أعداد ناقصة، أو أسماء عربية مقلوبة الترتيب. راجع المخرجات بعينك، وافتح كل رابط DOI للتأكد من أنه يقود إلى المصدر الصحيح.
قائمة تدقيق قبل التسليم
قبل أن ترسل المسودة إلى مشرفك، مرّ على هذه النقاط بهدوء:
- طابق كل إشارة في المتن مع مدخلها في القائمة، اسمًا وسنة.
- تأكد من الترتيب الأبجدي والمسافة المعلّقة والتباعد المزدوج.
- راجع الإمالة وحالة الأحرف في العناوين.
- تحقق من أرقام الصفحات في كل اقتباس حرفي.
- افتح روابط DOI عيّنةً عيّنة.
- قارن كل ما سبق بدليل كتابة الرسائل المعتمد في جامعتك.
خلاصة
إتقان APA لا يعني حفظ عشرات القوالب، بل فهم منطق واحد يتكرر: من كتب، ومتى، وماذا، وأين نُشر. ومع الممارسة يصبح التوثيق جزءًا طبيعيًا من الكتابة نفسها لا مهمة مؤجلة. وإن كنت ما زلت في بداية الطريق فقد يفيدك مقال كيف تختار موضوع بحث مناسب.
وإذا أردت من يراجع معك قائمة المراجع ومطابقتها للمتن وفق دليل جامعتك، ففريق بابل أكاديمي يقدم خدمة تنسيق المراجع والتوثيق مع ملاحظات توضح لك ما عُدّل وسببه.